AR149–12תצוגה מקדימה של הסיפור
עצי זית
أغمض الجدُّ عينيه ببطء، لكنه ظل يُرهف السمع. همست حفيدته قائلة: "جدي نام"، وسمع خطوات تنسحب من الغرفة. فتح الرجل عينيه وحدق إلى الغرفة المظلمة. انقلب على جانبه الأيسر، فأحس بإرهاق شديد، ونظر عبر النافذة إلى بستانه، فبدت له شجرات الزيتون كأنها تنظر إليه مرتاعة.
ابتسم الجد وهمس لنفسه: "إنك متعب، لقد تعبت أخيرًا.. الحياة جميلة، لقد أعطيت الحياة بقدر ما أعطتك". تذكر كيف أعطى ثمرًا وأولادًا وأحفادًا، وكيف أعطته الحياة القدرة أن يفعل ما يشاء. تذكر قبل شهر واحد فقط كيف كان نشيطًا في العمل. هتف به خالد ابنه: "ما زلت شابًا يا أبي!" فقال له: "سأظل شابًا حتى أموت، إن الأرض وفية للذين يرعونها". ضحك خالد وقفز إلى أبيه، وقبّل لحيته البيضاء طويلًا. ثم سجد على الأرض والتقط حفنة تراب وهمس: "يا رب، بحق هذا التراب علينا، امدد من عمره".
عاد الجد ينظر عبر النافذة إلى البستان. تذكر عندما زرع الشجرات منذ أربعين عامًا بيديه، وكيف قال له أبوه آنذاك: "عليك أن تباعد بين كل شجرة وأخرى.. إن الزيتون لا يطعمك الآن". أزاح الجد الغطاء الرقيق، وعندما حاول أن يجلس شعر بقوة غريبة تدب في أعضائه. تساءل: "هل شفيت؟" فهو لم يكن يستطيع الحراك منذ شهر تقريبًا. نزل عن سريره الخشبي وتقدم من النافذة، ثم اجتازها. عندما لمست قدماه الأرض أحس بحرارة التراب، وأدرك أن جسده بارد جدًا.
تقدم من الشجرة الأولى وعانق جذعها بحنان عجيب. حاول أن يتذكر شكلها منذ زرعها أول مرة، فربت براحته على طرف الجذع وابتسم، وأحس كما لو أن أغصان الشجرة تعانقه. خطا عدة خطوات إلى شجرة الزيتون الثانية وجلس القرفصاء بالقرب منها. أخذ يداعب بأصابعه التراب المحيط بها، إنه خشن وجاف، فتذكر أن الفصل صيف. شعر الجد بغبطة فائقة، وراح ينتقل من شجرة إلى أخرى. همس لكل واحدة منها بحديث شائق عن نشأتها معه ونشأته معها. وأخذ الشيخ يبتعد صوب المنزل، وعندما وصل إلى مقربة من النافذة أحس بالانهيار والخوف. أخذ يبكي بحشرجة مخنوقة، وتطلع إلى الأشجار، فبدت له كأنها تنحني إلى الأرض. قال بصوت خافت: "ستكونين وفية لأولادي وأحفادي، وفية للأرض التي حملتك طوال هذه الأعوام". وأحس كما لو أن الشجيرات تعاهده على ذلك.
اجتاز الجد حافة النافذة عائدًا إلى سريره، واستلقى على جنبه الأيسر. حاول أن ينظر عبر النافذة إلى البستان والشجيرات، فسمع كأن صوت مطر يلامس الأرض الجافة. فتح عينيه جيدًا، فرأى الماء يتساقط من أشجار الزيتون. عجب الشيخ إذ تذكر أنه في شهر آب، لكن الصور الآن أخذت تنزاح من أمام عينيه، ثم استسلم. في الصباح عجب أولاد الشيخ وأحفاده عندما وجدوا أن أرض البستان مبتلة، كما لو أن مطرًا غزيرًا قد تساقط. قالت الحفيدة لأمها: "هل نزل المطر؟" أجابت الأم بدهشة: "إنه مطر!" عادت الحفيدة لتقول: "تعالي نخبر جدي". ودخلتا غرفة الشيخ، واقتربت الحفيدة منه. كان الجد مغمضًا عينيه، كأنه يغط في نوم عميق، وكانت ابتسامة عذبة قد ارتسمت على شفتيه. هزته الحفيدة: "جدي.. جدي.." لكنه لم يجب، وكانت الشمس في الخارج ترتفع إلى الأفق.







