AR186–8Leseprobe
شَجَرُ الزَّيتونِ
أَغمضَ عينيهِ ببُطْءٍ، لكنَّهُ ظلَّ يُرهِفُ السَّمَعَ. همسَتْ حفيدتُهُ قائلةً: - جدّي نامَ. وسَمِعَ خُطُواتٍ تنسحِبُ مِنَ الغُرفةِ، إنَّهُ قادِرٌ على تمييزِها، خطواتِ ابنِهِ، زوجَةِ ابنِهِ، حفيدتِهِ، وها هُوَ ذا البابُ قد أُغلِق.
فتحَ الرَّجُلُ عينَيهِ، وحدَّقَ إِلى الغُرفةِ، الظَّلامُ ينتشِرُ فيها الآنَ، ولكِنْ ظلَّ يُحدِّقُ إلى أَنِ اعْتادَتْ عيناهُ رؤيةَ الأَشياءِ، وانْدارَ على جانِبِهِ الأَيسرِ، فَأَحسَّ بِإِرهاقٍ وانهِيارٍ شديدَيْنِ، أَنَّهُ مُتعبٌ جِدًّا، نظرَ عبرَ النّافذةِ إِلى بُستانِهِ، فبدَتْ لهُ شجراتُ الزَّيتونِ، كأَنَّها تنظُرُ إِليهِ مُرتاعَةً.
فابتسَمَ وحاوَلَ أَنْ يلمِسَ جبينَهُ المُتغضِّنَ بيدِهِ المَعروقةِ، فبذلَ جُهدًا كبيرًا كَي يفعلَ ذلكَ، وهمسَ لِنَفسِهِ: "إِنَّكَ مُتعبٌ، لقد تعِبتَ أخيرًا.. الحياةُ جميلةُ، لقد أَعْطَيْتَ الحياةَ بقَدرِ ما أَعطَتْكَ.. أَعطَيْتَ ثمرًا،أَعطَيْتَ أَوْلادًا وأَحفادًا، أَعطَيْتَ حُبًّا وحنانًا.. وأَعْطَتْكَ الحياةُ القُدرةَ أَنْ تفعلَ ما تشاءُ، وتُحَقِّقَ كُلَّ آمالِكَ..
الحياةُ جميلةٌ، وعِندما يهرَمُ الإنسانُ مثلَ أَيِّ إِنسانٍ يهرَمُ يجِبُ ألّا يحزنَ إِذا اقتربَتِ النِّهايةُ. تِلكَ سُنَّةُ الحياةِ.. فإِنْ غادَرتَ اليومَ فقد تركتَ بعضَكَ، أَو كذلكَ في أَولادِكَ وَأولادِ أَوْلادِكَ، وفي هذهِ الأرضِ الطَّيِّبَةِ المِعطاءِ، وفي هذه الأشجارِ الرّائِعَةِ الّتي مَنَحَتْكَ أسبابَ الحياةِ، وما زالتْ تمنَحُ..."
وتذكَّرَ قبلَ شهرٍ واحِدٍ فَقط كيفَ كانَ نشيطًا في العملِ حتّى إِنَّ خالِدًا قد تعجَّبَ وهَتَفَ بِهِ: ما زِلتَ شابًّا يا أَبي.. فقالَ لهُ: سأَظَلُّ شابًّا حتّى أَموتَ. إِنَّ الأَرضَ يا بُنَيَّ وفِيَّةً للَّذينَ يَرعَوْنَها، إِنَّها تَمنحُهُمُ الشّبابَ الدّائِمَ.
وَضَحِكَ خالِدٌ، وقَفَزَ إلى أَبيهِ، وقبَّلَ لِحيتَهُ البيضاءَ طويلًا، ثُمَّ سجَدَ على الأرضِ والتقطَ حفنةَ تُرابٍ وَهمسَ: يا رَبّ، بِحَقِّ هذا التُّرابِ علينا، امْدُدْ مِن عُمرِهِ. إِنَّ الرَّجُلَ الشَّيْخَ يذكُرُ تلكَ الصّورةَ، ويتمنّى الآنَ لَوْ يعيشُ طويلًا كي لا يَخيبَ رجاءُ ابنِهِ.
وعادَ ينظُرُ عبرَ النّافذةِ إلى البُستانِ، إِنَّ شجرَ الزَّيتونِ ينشُرُ ظِلالَهُ وأغصانَهُ على شُجيراتِ المِشمِشِ والدُّرّاقِ، لكنَّهُ يذكُرُ عِندما زرعَها مُنذُ أَربعينَ عامًا بيدَيْهِ هاتَيْنِ – ورفعَ راحَتَيْهِ المَعروقتَيْنِ قليلًا – كيفَ قالَ لهُ أَبوهُ آنذاكَ: عليكَ أَنْ تُباعِدَ بينَ كُلِّ شجرةٍ وأُخرى.. إِنَّ الزَّيتونَ لا يُطعِمُكَ الآنَ، لأَنَّ الزَّمَنَ يطولُ قبلَ أَنْ يُعطيكَ ثمرَهُ.
أَبوهُ ذهَبَ منذُ زمنٍ بعيدٍ، لكِنَّ شجرَ الزَّيتونِ نَما، وتَرَعرَعَ، تُراهُ يذهبُ، ويبقى الزَّيتونُ؟ تأَمَّلَ الشَّيخُ أشجارَ الزَّيتونِ المُحيطَةِ بالمنزِلِ، وأَحسَّ برغبَةٍ مُلِحَّةٍ بِأَنْ يخرُجَ إِلى البُستانِ، فَأَزاحَ الغِطاءَ الرَّقيقَ، وعِندما حاولَ أَنْ يجلِسَ شعرَ بِقُوَّةٍ غريبَةٍ تدِبُّ في أَعضائِهِ، وارتياحٍ كبيرٍ يلُفُّ قلبُهُ، فتساءَلَ: هل شُفيتُ؟
فهوَ لم يكُنْ يستطيعُ الحراكَ مُنذُ شهرٍ تقريبًا، لقدِ انهارَ فجأَةً وأحسَّ بالشَّيخوخَةِ الكبيرَةِ تأْكُلُ أَعصابَهُ وعُروقَهُ، ولقد ظلَّ مُطمَئنًّا، كانَ وفيًّا لدُنياهُ، كانت دُنياهُ وفيَّةً لهُ.
نَزَلَ عن سريرِهِ الخشبِيِّ، وتقدَّمَ مِنَ النّافِذَةِ، اتَّكأَ براحَتَيْهِ على حافَّتِها، ثُمَّ اجتازَها، قدماهُ طويلتانِ، والنّافِذَةُ واطِئَةٌ تكادُ تُقارِبُ الأَرضَ، وعِندما لمستْ قدماهُ الأَرضَ أَحسَّ بحرارةِ التُّرابِ، وأَدْرَكَ أَنَّ جسدَهُ بارِدٌ جِدًّا، لكِنَّهُ لَمْ يَعبأْ.
تقدَّمَ مِنَ الشَّجَرةِ الأولى، وعانَقَ جِذْعَها بِحنانٍ عجيبٍ، وحاوَلَ أَنْ يتذكَّرَ شَكْلَها مُنْذُ زَرَعَها أَوَّلَ مرَّةٍ، لكِنَّهُ لَم يستطِعْ، فربَّتَ بِراحَتِهِ على طرفِ الجِذعِ، وابتسمَ، وأَحَسَّ كما لَوْ أَنَّ أَغصانَ الشَّجرةِ تُعانِقُهُ، فازْدادَ التِحامًا بِها، وقبَّلَها طويلًا، كانَتْ دُموعُهُ الآنَ تُبَلِّلُ شارِبَيْهِ، ولحيتَهُ، وخطا عِدَّةَ خُطُواتٍ إِلى شجرةِ الزَّيتونِ الثّانِيَةِ، وجلسَ القُرفُصاءَ
بالقُربِ مِنها، وأَخذَ يُداعِبُ بِأَصابِعِهِ التُّرابَ المُحيطَ بِها، إنّهُ خشِنٌ وجافٌّ، فتذكَّرَ أَنَّ الفصلَ صيفٌ، ووقفَ، لقد بدا لهُ هذهِ اللَّحظةَ أَنَّهُ قوِيٌّ، أَقوى مِنْ أَيِّ وقتٍ مضى، شعرَ بغِبْطَةٍ فائِقةٍ، وَوَدَّ لَوْ يَعودُ إِلى فِراشِهِ؛ لولا أَنَّهُ أَحَسَّ كأَنَّ بقيَّةَ الشَّجراتِ تُناديهِ، فاقتربَ مِنَ الشَّجرةِ الثّالثَةِ وعانَقَها طويلًا.
إِنَّ شجرةَ الزَّيتونِ أَكثرُ غِنًى مِنْ كُلِّ الشَّجرِ، خُيِّلَ إِليهِ أَنَّ الشَّجرةَ قَدْ أَدركَتْ ما يجولُ في خاطرِهِ، واتَّفَقَ بِأَنْ هبَّتْ ريحٌ، فصفَّقَتْ بِأَغصانِها طويلًا، وأَحسَّتْ كأَنَّها تتطاوَلُ، وترتفِعُ عبرَ الفَضاءِ، فداعَبَ خشبَها كما يُداعِبُ الرَّجُلُ ابنَهُ الصَّغيرَ، وراحَ الشَّيْخُ بعدَ ذلِكَ ينتقِلُ مِن شجرةٍ إِلى أُخرى، ولقد همسَ لكلِّ واحِدةٍ منها بحديثٍ شائِقٍ؛ لعلَّهُ تحدَّثَ عن
نشأَتِها معَهُ، ونشأَتِهِ معَها. وأَخَذَ الشَّيخُ يبتعِدُ صوبَ المنزِلِ، وعندما وصلَ إِلى مَقرُبَةٍ مِنَ النّافِذةِ الّتي خرجَ مِنها أَحسَّ بالانهيارِ والخَوفِ، فأَخَذَ يبكي بِحَشْرَجَةٍ مخنوقَةٍ، وتطلَّعَ إِلى الأَشجارِ، فَبَدَتْ لَهُ كأَنَّها تنحني إِلى الأَرضِ، قالَ بِصَوْتٍ خافِتٍ: ستكونينَ وفِيَّةً لأَولادي وأحفادي، وفِيَّةً للأَرضِ الّتي حَمَلَتْكِ طَوالَ هذهِ الأَعوامِ.
وأَحَسَّ كما لو أَنَّ الشُّجيراتِ تُعاهِدُهُ على ذلكَ فاجْتازَ حافَّةَ النّافِذَةِ، عائِدًا إِلى سريرِهِ، واستلقى على جنبِهِ الأَيْسَرِ، ولكنَّهُ أَحَسَّ كأَنَّهُ يَضْمَحِلُّ، وحاوَلَ أَنْ يَنظُرَ عبرَ النّافذةِ إلى البُستانِ والشُّجيراتِ، فسمِعَ كأَنَّ صوتَ مطرٍ يُلامِسُ الأَرضَ الجافَّةَ، فتحَ عينيهِ جَيِّدًا، فرأَى الماءَ يتساقطُ مِنْ أَشْجارِ الزَّيتونِ، وَعَجِبَ الشَّيخُ إِذْ تذكَّرَ مرَّةً أُخرى أَنَّهُ في
شهرِ آبَ، لكِنَّ الصّورَ الآنَ أَخذَتْ تنزاحُ من أَمامِ عينيهِ، الواحِدَةَ تِلوَ الأُخرى، ثُمَّ أَحسَّ كما لَو أَنَّ دِماءَهُ تَنْسَلُّ مِنْ عُروقِهِ، فاستَسْلَمَ. في الصَّباحِ عجِبَ أَولادُ الشَّيخِ وأَحفادُهُ عِندما وجدوا أَنَّ أَرضَ البُستانِ مُبتَلَّةٌ، كما لَو أَنَّ مطرًا غزيرًا قد تساقطَ. قالَتِ الحفيدَةُ لأَمِّها: هل نزلَ المطرُ؟
أَجابَتِ الأُمُّ بدهشةٍ: إِنَّهُ مطر!!. عادتِ الحفيدَةُ لتقولَ: تعالَي نُخبِرُ جدّي. ودخلتا غُرفةَ الشِّيخِ، واقتربتِ الحفيدةُ منهُ، كانَ مُغمِضًا عينَيْهِ، كأَنَّهُ يغُطُّ في نَومٍ عميقٍ، وكانَتِ ابتسامةٌ عذبةٌ، قَد ارتسمتْ على شفَتَيْهِ، وهزَّتْهُ الحفيدةُ: جدّي .. جدّي.. لكنَّهُ لم يُجِبْ. وكانَتِ الشَّمسُ في الخارجِ ترتفِعُ إِلى الأُفُقِ.







